أحمد بن محمد المقري التلمساني
77
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لما نضوت إلا عنده ليلي ونهاري « 1 » : [ بحر الوافر ] ولو نعطى الخيار لما افترقنا * ولكن لا خيار مع الزّمان [ بحر الطويل ] وتحت ضلوعي لوعة لو كتمتها * لخفت على الأحشاء أن تتضرّما ولو بحت في كتبي بما في جوانحي * لأنطقتها نارا وأبكيتها دما وأنا لا أقترح على الدهر إلا لقياه ، ولا أقطع حاضر الوقت إلا بذكراه ، وما أعد أيامي التي سعدت فيها بلقائه إلا مفاتح السرور ، ومطالع السعود والحبور ، ولست أعيبها إلا بقلة البقاء ، وسرعة الانقضاء ، وكذلك عمر السرور قصير ، والدهر بتفريق الأحبة بصير ، وربما نضر العود « 2 » بعد الذبول ، وطلع النجم بعد الأفول ، وأديل الوصال من الفراق ، وعاد العيش المرّ حلو المذاق : [ بحر الطويل ] وما أنا من أن يجمع اللّه شملنا * كأحسن ما كنّا عليه بآيس فأما الآن فلا أزجّي الوقت إلا بقلب شديد الاضطراب ، وجوانح لا تفيق من التوقد والالتهاب ، وكيف لا وحالي حال من ودّع صفو الحياة يوم وداعه ، وانقطع عنه الأنس ساعة انقطاعه ، وطوى الشوق جوانحه على غليل ، وحل أضلاعه على كمد دخيل ، وأغرى بي فلزمني ولزمته ، وألف بيني وبين الوجد فألفني وألفته ، فلا أسلك للعزاء طريقا إلا وجدته مسدودا ، ولا أقصد للصبر بابا إلا ألفيته مردودا ، ولا أعد اليوم بعد فراق سيدي إلا شهرا ، والشهر دون لقائه إلا دهرا ، ولست بناس أيامنا التي هي تاريخ زماني ، وعنوان الأماني ، إذ ماء الاجتماع عذب ، وغصن الازدياد رطب « 3 » ، وأعين الحواسد راقدة ، وأسواق صروف الدهر كاسدة ، فما كانت إلا لمحة الطّرف ، ووثبة الطّرف ، ولمعة البرق الخاطف ، وزورة الخيال الطائف ، وما تذكّر تلك الأيام في أكناف فضائله ونضرتها ، ورياض علومه في ظله وخضرتها ، إلا أوجب على عينه أن تدمع ، وانثنى على كبده خشية أن تصدّع « 4 » ، ثم لما ورد على عبدكم مكتوبكم الكريم ، صحبة حضرة العم المحب القديم ، فكان كالعافية للصب السقيم ، كما يشهد بذلك السميع العليم ، فوقف له منتصبا ، وخفف عنه برؤيته وصبا « 5 » وذكر أيام الجمع فهام
--> ( 1 ) نضوت ليلي ونهاري : قطعها . ( 2 ) في ب ، ه : « وربما اهتز العود بعد الذبول » . ( 3 ) الازديار : الزيارة . ( 4 ) إشارة إلى قول الصمة بن عبد اللّه القشيري : وأذكر أيام الحمى ثم أنثني * على كبدي من خشية أن تصدّعا ( 5 ) الوصب : التعب .